الحلبي
124
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
على أن المراد بالصلاة حقيقتها ، وإلا جاز أن يراد بالصلاة الدعاء ، ويوافق ذلك قول الإمتاع : لم أجد في شيء من كتب السير متى فرضت صلاة الجنازة . ولم ينقل أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى على عثمان بن مظعون . وقد مات في السنة الثانية ، وكذلك أسعد بن زرارة مات في السنة الأولى . ولم ينقل أنه صلى اللّه عليه وسلم صلى عليه الصلاة الحقيقة ، وقد تقدم ذلك وتقدم ما فيه . وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود ، أي بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير : أي صالحهم على ترك الحرب والأذى : أي أن لا يحاربهم ولا يؤذيهم ، وأن لا يعينوا عليه أحدا ، وأنه إن دهمه بها عدوّ ينصروه ، وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم . وقد ذكر في الأصل صورة الكتاب ، وآخى صلى اللّه عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك ، وهي دار أبي طلحة زوج أمّ أنس ، أي واسمه زيد بن سهل ، وقد ركب البحر غازيا فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه بها ولم يتغير . وعن أنس رضي اللّه تعالى عنه أن أبا طلحة لم يكن يكثر من الصوم في عهد رسول اللّه بسبب الغزو ، فلما مات صلى اللّه عليه وسلم سرد الصوم . وكانت المؤاخاة - بعد بناء المسجد ، وقيل والمسجد يا بنى - على المواساة والحق ، وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام ، وفي لفظ دون القرابة ، فقال « تآخوا في اللّه أخوين أخوين » . أقول : ذكر ابن الجوزي عن زيد بن أبي أوفى قال « دخلت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مسجد المدينة ، فجعل يقول : أين فلان أين فلان ؟ فلم يزل يتفقدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده ، فقال : إني محدثكم بحديث فاحفظوه ووعوه وحدثوا به من بعدكم : إن اللّه تعالى اصطفى من خلقه خلقا ، ثم تلا هذه الآية اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ [ الحجّ : الآية 75 ] وإني أصطفي منكم من أحبّ أن أصطفيه ، وأواخي بينكم كما آخى اللّه تعالى بين ملائكته ، قم يا أبا بكر ، فقام فجثا بين يديه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : إن لك عندي يدا اللّه يجزيك بها ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذتك خليلا ، فأنت مني بمنزلة قميصي من جسدي وحرك قميصه بيده ، ثم قال : ادن يا عمر ، فدنا فقال : قد كنت شديد البأس علينا يا أبا حفص ، فدعوت اللّه أن يعزّ بك الدين أو بأبي جهل ففعل اللّه ذلك بك ، وكنت أحبهما إلى اللّه فأنت معي في الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة ، وآخى بينه وبين أبي بكر » هذا كلام ابن الجوزي ، وهو يقتضي أنه صلى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة آخى بين المهاجرين والأنصار أيضا كما آخى بينهم قبل الهجرة ، وهذا لا يتم إلا لو آخى بين غير أبي بكر وعمر من المهاجرين ، ويكون ابن أبي أوفى اقتصر . والمعروف المشهور أن المؤاخاة إنما وقعت مرتين مرة بين المهاجرين قبل